King James Authorized Version Bible

There was an error in this gadget

Sunday, October 28, 2012

اله الرجاء



        
     "وليملأكم اله الرجاء كل سرور وسلام في الايمان لتزدادوا في الرجاء بقوة الروح القدس"   ﺭﻭﻣﻴﺔ 15:13
 
+++
       
       
        
منذ سنوات غير قليلة كنت اتكلم مع اب كاهن خدم فى كنيسة ما لسنوات عديدة لمحبة المسيح.. ومسئولياته كانت عديدة حتى انها كانت فى كل انحاء الولايات، واكمل الاب الكاهن وقص على قصة مخيفة جدا على انها معجزة جميلة جدا. 
بعد اقلاع الطائرة بنصف ساعة هدأت الطائرة فى الجو وانذار بربط الاحزمة اطفئ ولكن سرعان ما ارتبك المكان وعلامة الانذار رجعت مرة ثانية بربط الاحزمة! نصف ساعة مضت وصوت هادئ يكاد يكون مسموع لدى الكاهن لانة فى المقعد الاول: لا توزعوا المشروبات فى الوقت الحالى فيبدو انة يوجد مشاكل بالطائرة . اعملوا كل جهدكم لربط الاحزمة لكل المسافرين هكذا قال الطيار للمضيفات بحزم ..
       
        وكان الكاهن ينظر حولة ويبدو ان معظم المسافرين علموا وبدأ الاضطراب والخوف يحوم فى كل الطائرة.. وجاءت المضيفة ووقفت بجانب الاب الكاهن وفى يدها الميكروفون واعلنت عن اسفهم لعدم تقديم المشروبات فى الوقت الحالى.. يوجد بعض الاعطال فى المحرك نظرا لوقت الرعد والبرق وعليه يجب علينا التعاون للمرور من هذا الظرف .. وابتدئت تشرح التحذيرات من جديد بكل اللغات التى تعرفها..وفجاة برق عظيم نزل على الطائرة لاحظه كل المسافرين وانقلبت الطائرة فى الجو وصار صراخ فى الطائرة من كل الجهات.. لا تستطيع ان تميز اصوات الاستغاثة واحسسنا ان الطائرة تفقد توازنها وانها تهبط بسرعة كبيرة
       
        وابتداء الاب الكاهن يبكى ويصلى ووقعت عيناة على فتاة صغيرة لا تبالى من اى شئ ممن حولها! الحقيقة انها كانت تقراء كتاب فى صمت وهدوء شديد!! وكلما كانت تهبط الطائرة تغلق هذة الفتاة عيناها وتفتحها مرة اخرى حتى تستكمل القراءة وكاد الاب الكاهن لا يصدق عيناه.. و حصلت المعجزة واستطاع الطيار الحكيم بالهبوط الاضطرارى واسرع كل الركاب بالنزول من الطائرة المشئومة بسرعة كبيرة.. بينما اسرع الكاهن الحبيب بسرعة ليكلم الطفلة الشجاعة ويعرف ما هو سر شجاعتها..
       
        - لماذا لم تخافى يا ابنتى؟! سأل الكاهن فى لهفة..
        فردت الطفلة فى وداعة: لأن أبي هو الطيار.. وانا متاكدة انه  سيحملنى لبر الامان سالمة لانة ابي... 
ثق أن الله هو أبوك وسيصل بك لبر الأمان مهما مرت بك أى تجارب أو ضيقات 
دايما قول كله للخير ~ وربنا موجود ~  ومسيرها تنتهى






Share

Tuesday, October 23, 2012

القديس يوليوس الاقفهصي

القديس يوليوس الأقفهصي

عاش في أواخر القرن الثالث الميلادي بالاسكندرية في زمان تملك دقلديانوس الملك الكافر المضطهد للمسيحيين، كان غنياً وصديقاً للملوك فلم يضطهدوه ضمن الذين اضطهدوهم وكان هذا تدبير من الله لكي يحفظ حياته ليكتب جهاد القديسين وأتعابهم

كان له 1800 غلام يحسنون الكتابة فكان يرسلهم ويزودهم بالمال لخدمة القديسين في كتابة سيرتهم وتكفين أجسادهم، وكان محبوباً لأعماله الحسنة وكانت له غيره وأشتياق للشهادة إلى أن نالها أوائل القرن الرابع الميلادي


يمكن الرجوع إلى

عن القديس يوليوس الأقفهصي
http://orthodoxcoptic.blogspot.com/2012/05/blog-post_1449.html


Share

Sunday, October 21, 2012

دم فتاة




دم فتاة 

ولد لعائلة إبنة جميلة جدا، ومع أن هذه العائلة الصغيرة، كانت تسكن في بلد مسيحي،
لكن والديها، أرادا أن يبعدا إبنتهما عن أي أمر يخص الله.
عاشت إبنتهما سنينها الأولى، ولم تعرف أي شيء عن الله، وكأن الله غير موجود.
في أحد الأيام، طلبت الأم من إبنتها أن تذهب الى الدكان لتشتري لها شيئا.

ذهبت تلك الفتاة الى الدكان، لكن في طريق عودتها سمعت صوت ترنيم جميل، خارجا من أحد الكنائس الصغيرة...
إقتربت تلك الفتاة، ودخلت لترى ما يحصل... كان هناك صف لمدرسة الأحد،
فبعد الترنيم، وقف أحد معلمي مدرسة الأحد وتكلم للأولاد عن الرب يسوع،
كيف كان يعمل العجائب، ويشفي الناس، وكيف كان يحب الجميع.
ومن محبته لكل واحد منا، أخذ مكاننا على الصليب، ومات ليخلصنا من الخطيئة.
أحبت تلك الفتاة ما سمعته عن الرب يسوع، ولم تشعر بالوقت الذي كان يمر،
بل لدى سؤال معلم مدرسة الأحد، إن كان أحد يرغب أن يصلي، رفعت يدها،
وصلّت صلاة بسيطة للغاية، معبرة عن محبتها لصديقها الجديد الذي إبتدأت تحبه.
لدى إنتهاء مدرسة الأحد، أحست تلك الفتاة الصغيرة، بأنها تأخرت عن البيت،
وإبتدأت السماء تمطر بغزارة، وبدون شك قد قلق عليها والديها.

وصلت تلك الفتاة البيت وقد بلل المطر جسدها كله. فما أن دخلت حتى رأت وجه والديها الغضوب...
حاولت تلك الفتاة أن تطلب السماح، قائلة:
أنا متأسفه يا ماما، لكن في طريق عودتي، سمعت صوت موسيقى خارجا من الكنيسة،
فدخلت، وسمعت قصة جميلة جدا عن يسوع، وطلبت منه أن يكون صديقي ويدخل قلبي فقد أحببته جدا...
لدى سماع والدها ما قالته، حتى إنقض عليها، فاقداً وعيه، ومستسلما للشتائم، والتجاديف،
إذ لم يعد يقدر على ضبط نفسه، فأخذ حزامه وأخذ يضرب تلك الفتاة الصغيرة من غير وعي،
بينما الأم تصرخ بصوت عالٍ، حتى وقعت إبنتها على الأرض مغمى عليها.
لمدة يومين كانت تلك الفتاة الصغيرة طريحة الفراش،

كانت الأم تحاول وضع بعض المرهم على جروحها لمنع الإلتهاب، بينما الدموع تملئ عينيها لما حصل لإبنتها...
لكن في صباح اليوم الثالث، أصيبت تلك الفتاة بحمة قوية، وأخذت تلك الفتاة تهذي لشدة الحرارة،
دعي أحد الأطباء، لكن لم يكن من علاج... بالرغم من كل المحاولات...
إذ كانت تلك الفتاة تغيب لفترات طويلة عن الوعي...
لكن في مساء ذلك اليوم، جلست تلك الفتاة في السرير، ونادت والدتها...
لدى سماع والدتها صوت إبنتها، فرحت تلك الأم ظناً منها بإن إبنتها أخذت تتعافى...


قالت الفتاة: ماما...
أجابت أمها نعم يا حبيبتي...
قالت: ماما، هل يمكن أن تجلبي لي الفستان الذي كنت أرتديه ذلك اليوم عندما ذهبت الى الكنيسة...
أجابت الوالدة، لماذا يا حبيبتي، لقد اصبح ممزقا، وكان قد تبلل بالمطر،
وعليه بعض بقع من الدم ... ،
إنني أنوي رميه...
كلا يا ماما بل أريده بجانبي، فهل لك أن تجليبه لي...
لكن لماذا يا حبيبتي...
سألت الأم، بينما أقترب والد الفتاة من باب الغرفة،
والحزن والندم يرتسمان على وجهه لما فعله بإبنته الصغيرة...
أغمضت الفتاة الصغيرة عينيها، وخفت صوتها،

ولم تكن تعلم بأن اباها يقف جانب الباب...
ثم قالت، ماما : إنّ ملاكاً قد جاء وأخبرني، بأنني قريبا سأذهب الى السماء،
وأحببت أن آخذ ذلك الفستان معي، لكي أخبر يسوع بأنني ايضا،
ارقت بعض الدماء محبة له...

أخي وأختي، إن السؤال لك ولي : وماذا نحن يا ترى فعلنا من أجله ؟



Share

Wednesday, October 17, 2012

باب مفتوح في السماء - بقلم مثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث        





باب مفتوح في السماء

                                               بقلم مثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث
      
 إذا رأيت جميع الأبواب منغلقة أمامك على الأرض، ارفع نظرك إلى فوق، فتجد باباً مفتوحاً في السماء .
        

فمهما ضاقت الدنيا أمامك، ومهما تعقَّدت السُّبُل، وأغلق الناس قلوبهم وأحشاءهم، ودعوت وليس من مُجيب، وبحثت وليس من صديق، حينئذ عليك أن تنظر إلى فوق إلى الباب المفتوح في السماء. وكذلك في الوقت الذى لا تجد فيه على الأرض حناناً ولا عدلاً، ولا تجد من البشر معونة ولا سنداً. حينما يبدو أن كل إنسان قد تخلَّى عنك، أو عجز عن معونتك، وقد تركوك إلى مشاكلك وأهملوك ولم يهتموا بك. في هذا الوقت الذى أغلقت فيه أبواب الأرض، لا يبقى أمامك إلا الباب المفتوح في السماء.‏ 

‏?? إن هذا الباب السماوي مفتوح باستمرار. ولكن عيبنا أن لنا عيوناً ولكنها للأسف لا تبصر باب اللَّه المفتوح دائماً. وذلك لأن مشكلتنا في كل ضيقاتنا، أننا نتجه فقط إلى المعونة الأرضية! أو نعتمد فقط على ذكائنا وحيلتنا، وعلى الذراع البشري في مساعدة الناس لنا. نتجه فقط إلى الظروف والإمكانيات. وبسبب هذا كله نقع في الحيرة والقلق والاضطراب. ولا نُفكِّر إطلاقاً أن ننظر إلى الباب المفتوح في السماء لكي نطمئن. 


‏?? نصيحتى لك أيها الأخ القارئ أنك في كل صباح قبل أن تخرج من بيتك، أن تُصلِّي من عمق قلبك أن يفتح أمامك اللَّه كل الابواب: أن يفتح أمامك كل القلوب وكل الآذان، وأن يفتح أمامك أبواب الرزق وأبواب الخير. وأن تقول له بإستمرار: " اجعل يارب بابك مفتوحاً أمامنا في كل حين ".


‏?? وأيضاً لا تنظر إلى الأبواب المغلقة، إنما انظر دائماً إلى المفتاح الذي في يد اللَّه. اللَّه الذي يفتح، ولا يستطيع أحد أن يُغلِق. عليك أن تؤمن من كل قلبك أن اللَّه قادر على كل شيء. وأن كل شيء مستطاع إذا آمنت بمعونة اللَّه الفائقة للوصف الذي يستطيع أن يغير كل شيء إلى الأفضل. وأن تثق أن اللَّه يحبك ويحب لك الخير وهو قادر على ذلك. ومعونته تفوق الحدود. إذن لتكن أنظارنا بإستمرار متجهة إلى فوق حيث توجد معونة اللَّه غير المحدودة. وليس إلى الأرض حيث كل معونة منها محدودة أو قاصرة. 


‏?? انظر إلى الباب المفتوح في السماء في كل المشاكل التي تحيط بك وفي كل الضيقات التي تحل بك. وحينئذ ستسمع في قلبك صوتاً من السماء يقول: " تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين وأنا أُريحكم ". وكذلك تفعل في كل مشروع تبدأه. فإن اللَّه قادر أن يباركه، ويُسهِّل لك الطريق. كذلك إن مرضت وتعب الأطباء في علاجك انظر أيضاً إلى الباب المفتوح في السماء. وأيضاً في الحزن يمنحك الباب السماوي تعزية. وفي كل حين تجد أمورك مُيسَّرة. 


‏?? نلاحظ أن الباب المفتوح في السماء، هو مفتوح بطبيعته حتى دون أن نطلب. إن اللَّه تبارك اسمه يفتح أمامنا باباً في السماء بسبب محبته لنا وبسبب حنوه علينا وبسبب نعمته. وذلك لأنه يعرف مدى ضعفنا واحتياجنا، وأننا بدونه لا نستطيع شيئاً. وإذا فتح اللَّه بابه أمامنا، لا يستطيع أحد في الدنيا أن يغلقه. لذلك يا أخي إن قام ضدك أعداء كثيرون، ثِق أن اللَّه هو أقوى من الكل. فالأعداء كلهم قوتهم محدودة، حتى الشيطان نفسه محدود في قوته. أمَّا اللَّه فقوته غير محدودة. كذلك ثِق تماماً أن حياتك هى في يد اللَّه، وليست في أيدي الناس. وثِق أيضاً أن اللَّه قادر أن ينقذك. ومن خبرتي نرى أنه كم من فئة قليلة لم تستطع أن تقوَ عليها. فئة كثيرة. بل قالت الفئة القليلة: " إن كان اللَّه معنا فمَن علينا؟! ". حقاً إن في هذا عزاء للضعفاء. 


‏?? على أن هناك قاعدة هامة في هذا الموضوع. وهى أن نفتح نحن قلوبنا للَّه، فيفتح الرب باباً في السماء. نصعد بأرواحنا إلى السماء، بينما أجسادنا لا تزال على الأرض، حينئذ يفتح اللَّه عيوننا لنرى بابه المفتوح. لا نستبقِ على الأرض في كسلٍ وتراخٍ وإهمال، ناظرين أن يفتح لنا أبواب السماء. بل نعمل كل ما نستطيعه، والباب السماوي يسهل الأمر حتى يصل إلى غايته. ونحن في إيماننا بعمل اللَّه لا نعرف متى يفتقدنا اللَّه بنعمته وبعمله ومعونته. إنما نعرف أنه لابد سيعيننا كراعٍ صالح يهتم برعيته. إنما المُهم أن نكون مستعدين لعمله معنا ولعمله فينا. 


‏ ?? إن إيماننا بالباب المفتوح بالسماء يعطينا باستمرار الرجاء والتفائل والأمل. ولا نصل مطلقاً إلى اليأس. فاليأس هو من عمل الشيطان لكي يلقي النفس البشرية في القلق والأرق والحزن والضيق بل قد يصل بها أحياناً إلى الإنهيار! أمَّا الرجاء في معونة اللَّه فيعطي النفس قوة. ويفتح أمامها طاقة من النور مهما كانت الدنيا مظلمة. واللَّه في محبته يقول للإنسان المؤمن: " لا تخف. إني لا أهملك ولا أتركك، أنا معك باستمرار لأنقذك ". لذلك فالإنسان المؤمن لا يمكن أن يعترف بالفشل، لأنه يثق بأنه في يد اللَّه الحانية والمعينة. وما أكثر وعود اللَّه للمؤمنين به. 


‏?? وكما أن باب اللَّه مفتوح لكل مَن هو محتاج إلى معونة كذلك بابه مفتوح أيضاً لِمَن يريد حياة التوبة ...
        

بابه مفتوح لكل خاطئ سيطرت الخطية عليه. وحاول أن يتخلَّص منها مراراً ولم يستطع، وكاد ييأس! لقد طرق باب ضبط النفس، وباب التداريب الروحية، وكل جهاد شخصي. ومع ذلك كله لم يجد طريق التوبة مفتوح أمامه! حينئذ لا يجد أمامه إلاَّ باباً مفتوحاً في السماء. فيقول للرب: " توِّبني يارب فأتوب. أعطني يارب قوة لأنتصر على الخطية. ارحمني يا اللَّه كعظيم رحمتك ". حينئذ يعينه اللَّه على عمل البِرّ، ويمحو من ذاكرته ومن قلبه كل الأفكار الشريرة .

        نشكرك يارب على كل محبتك، وعلى بابك المفتوح في السماء، الذي بمعونته تنفتح أمامنا كل أبواب الأرض. 


 
Share

Wednesday, October 10, 2012

المعجزة التي صنعها الرب مع القديس أثناسيوس الرسولي




ســـــنـكــسـار الـيــــوم

الاربعاء10 اكتوبر 2012 م - 30 توت 1729 ش


(تذكار المعجزة التي صنعها الرب مع القديس أثناسيوس الرسولي)
********************************************
 
في مثل هذا اليوم صنع الرب يسوع له المجد آية عظيمة مع !لقديس الجليل الانبا أثناسيوس الرسولي بابا الإسكندرية العشرين . وذلك أن الملك قسطنطينوس بن قسطنطين الملك القديس ، لما اعتنق تعاليم اريوس الذي نادى بأن الابن كان في وقت ما غير موجود ، وانه غير مساو للآب .

أرسل إنسانا إسمه جاورجيوس ، ومعه خمسمائة فارس ورسائل بتعينه بطريركا على الإسكندرية بدلا من الأنبا أثناسيوس الرسولي ، على أن يثبت ما قاله أريوس ، ويقتل من لا يطيعه ، ولما وصل هذا الرجل إلى المدينة ، ونادى فيعها بتعاليم أريوس ، لم يقبل قوله إلا نفر يسير من أهل المدينة . فقتل من أهل الإسكندرية خلقا كثيرا .

أما القديس أثناسيوس فانه اختفى وظل متخفيا ست سنين ، خرج بعدها وقصد مدينة القسطنطينية وطلب من الملك قسطنطينوس "أما أن يرده إلى كرسيه أو يقتله فينال إكليل الشهادة" .

أما الملك فأمر بأن يحمل في مركب صغير ويترك في البحر بغير خبز ولا ماء ولا مدبر ، ظنا منه أنه بذلك يهلك أما بالجوع أو العطش أو الغرق فيتخلص منه ومن تبكيته على هرطقته ، ففعلوا بالقديس كما أمر الملك .

فسارت به المركب في هدوء وسلام بتدبير الرب وعنايته ترعاه وتحيطها الملائكة حتى وصل مدينة الإسكندرية بعد ثلاثة أيام ، ولما سمع المؤمنون بقدومه فرحوا جدا ، وخرجوا إليه واستقبلوه بالصلوات والتسابيح ، حتى أدخلوه الكنيسة ، وأخرجوا منها جاورجيوس الأريوسي وأصحابه فجعل القديس أثناسيوس هذا اليوم عيدا عظيما للرب الذي له المجد والإكرام الآن وكل أوان إلى دهر الدهرين آمين .


Share

Monday, October 8, 2012

في قبضة الحب


في قبضة رجال الشرطة

دخل عادل حجرة النوم في خطوات هادئة لم يعتدها من قبل، وأغلق الباب، لكنه عِوض أن يُلقى بجسده المُنهك على السرير، ارتمى على الأرض، وأسند برأسه على الكرسي، وهنا سبحت أفكاره يمينًا ويسارًا. تجلَّى أمامه الماضي البعيد والماضي القريب كما الحاضر أيضًا. كان يناجي نفسه تارة بصوت مسموع، وأخرى إذ يدرك أنه في بيتٍ غريبٍ يصمت ليناجي نفسه سرًا

لقد عشت يا عادل كل حياتك محرومًا من الحب، لا تذكر حتى في طفولتك أن أمك قد احتضنتك يومًا ما، ولا أباك كان يترفق بك، ولا أخوتك يهتمون بك. عشتَ لا تعرف العاطفة، ولا تذوقت الدفء العائلي

بدأت حياتك الدراسية طفلًا مشاكسًا، لا تعرف الرقة في التعامل ولا احترام الآخرين، تريد أن تنتقم من كل إنسان وتشاغب مع كل أحد. وكان نصيبك النبذ من المدرسين والطلبة. لم يعرف أحد أن يدخل قلبك ويروي عطشك أو يُضمد جراحاتك الخفية، أما أنت فلا تعرف لغة القلب

كان نصيبك الفشل المستمر، فصرت من جماعة المشاغبين، وانتهى أمرك بالطرد من المدرسة. قسا الزمان عليك، فقسوت على الناس، وصار العنف يسري في دمك. تعلمت أن تغتصب كل ما تقدر أن تمتد إليه يديك، فصرت مُحترفا السرقة. وأخيرًا انتهت حياتك بالسجن لتعيش منبوذًا من الجميع، محرومًا من أثمن ما في الوجود: الحرية

والآن ها أنت في فيلا جميلة، أصحابها أغنياء، أغنياء بالأكثر في الحب

لعلَّها أول مرة ترى فيها أُناسًا يبتسمون في وجهك ويهتمون بك ولا يحتقرونك. لماذا يُحبونك؟ وماذا يرجون فيك أو منك؟

هكذا لم يدرِ كم من الوقت قد قضاه سابحًا في أفكاره، يذكر لمسات الحنان التي قدمتها له السيدة العجوز والملابس الجديدة التي قدمها له ابناها. لكنه تحت ضغط الإرهاق الجسدي الشديد أغمض عادل عينيه ليغُط في نومٍ عميق وهو ملقى على الأرض بلا حراك

فجأة، فتح عادل عينيه على قرعات الباب الهادئة، وبدأ يفكر بسرعة خاطفة أين هو؟ وما الذي جاء به إلى هذه الحجرة الجميلة بأثاثها الفاخر. لكنه تدارك الأمر أنه في استضافة عائلة مُحبة تلقفته بعد أن قضى زمانًا في السجن

فتح عادل الباب ليجد أحد الشابين يعتذر له إن كان قد أيقظه من النوم بقرعات الباب

آسف جدًا يا أخ عادل. فإني ما كنت أحسبك نائمًا

خشيت أن تكون في خجل من أن تأتي وتجلس معنا

شكرًا يا أخي على محبتك، فقد كنت مُحتاجا فعلًا أن أنام كل هذه الفترة الطويلة

إذن، فلتتفضل معنا العشاء لتعود وتُكمل راحتك

ذهب عادل إلى الحمام وغسل وجهه بسرعة، ثم جلس مع الأم العجوز وابنيها على المائدة. بعد صلاة قصيرة بدأوا يأكلون وهم يتجاذبون أطراف الحديث

نرجو أن تكون قد أخذت قسطًا وافرًا من الراحة

أشكر اللَّه، فإني أشعر براحة، خاصة وأنا في وسطكم

يسرنا جدًا أن تعيش معنا، فالمكان مُتسع، وبركات الرب كثيرة

أنا لا استحق هذه المحبة، ولا استحق أن أعيش بين قديسين مثلكم، فإني إنسان شرير. قضيت عمري في الخطية والشر

لا تقل هذا يا عزيزي، فنحن جميعًا تحت الضعف. ولكل منا خطاياه، لكن الرب يستر علينا برحمته

لا... لا تقل هذا. لعلَّك لا تعرف ما أنا عليه... فقد امتزجت طبيعتي بالشر، وكأني والشر صرنا واحدًا

لا تخف، فإن اللَّه الذي خلقنا قدَّم حياته من أجلنا. إنه يحبنا، نزل إلينا، وصار مثلنا كواحد منَّا، ودفع حياته ثمنًا لخلاصنا

لعلَّه يُخلص آخرين غيري

لا... بل يريدك أنت. إنه يحب كل إنسان، ويشتهي خلاص كل أحد

ألم أقل لكم أنتم لا تعرفونني. لقد قضيت حياتي كلها في الشر. لقد امتزجت حياتي بكل أصناف الخطية، وما أظن إني أقدر أن أتخلص منها

اللَّه الذي يحب الخطاة هو يقدر أن يُعين الجميع. لقد غيَّر حياة الزناة والعشّارين ودخل بهم إلى الفردوس

إذ انتهوا من العشاء غسلوا أيديهم، ونزلوا معًا إلى الحديقة يُكملون الحديث عن محبة اللَّه اللانهائية. حتى انسابت دموع عادل بغزارة ووقف الكل يصلون

بعد فترة ليست بطويلة أرادت العائلة أن تُرحب بالضيف أكثر فأكثر، فسألوه إن كان يأخذ فكرة عن الفيلا ومحتوياتها. فأجاب بالإيجاب وبدءوا يسيرون معه من حجرة إلى حجرة، يكشفون له عن أسرار البيت كله. وأخيرًا استقرت وقفتهم أمام قطعة أثرية جميلة وُضعت على البيانو

إنها قطعة جميلة

نعم، وأثرية أيضًا.. أجابت العجوز

وما ثمنها

إنها تساوي خمسة آلاف جنيهًا مصريًا. لكنها في نظرنا أثمن من ذلك بكثير، إنها لا تقدر بثمن. فهي تحمل ذكرى والدي وأجدًادي الذين توارثناها عنهم

بعد أن أخذ عادل فكرة عن البيت ومحتوياته، دخل الجميع الحجرة المخصصة للصلاة العائلية، وأمام أيقونة السيد المسيح صلى الكل، وذهب كل منهم إلى حجرة نومه

وضع عادل رأسه على الوسادة وحاول أن ينام لكنه لم يستطع إذ بدأت الأفكار تتراقص في ذهنه

كيف تفلت هذه القطعة الأثرية من يدي؟

لكن كيف أخون الذين أحبوني من كل القلب؟

وهل أعيش عالة عليهم كل أيام حياتي؟

لأعيش عالة ولا أسرق، فقد وعدتهم ألا أعود إلى الخطية مرة أخرى

ما قيمة قطعة أثرية في أيدي أُناس أغنياء، هم ليسوا في حاجة إليها. لأسرقها وأبيعها كي أجد عملًا تجاريًا شريفًا، فلا أعود أنحرف بعد

في وسط هذا الصراع العنيف قام عادل وتسلل وسط الظلام على أطراف أصابعه حتى بلغ إلى الصالة، وهناك وقف أمام القطعة مترددًا. مدَّ يده ليمسكها، ثم عاد فتراجع، وتكرر الأمر مرة ومرات، وأخيرًا تشدد وأمسك بالقطعة وتسلل نحو الحديقة ليجد الباب الحديدي مُغلقًا. لكن هذا لا يشكل مشكلة، فبسرعة البرق قفز من السور إلى الشارع ليجد نفسه أمام رجلين من الشرطة، أمسكا به. ارتبك عادل جدًا، ولم يعرف ماذا يفعل. لقد فتشه الرجلان ووجدًا معه القطعة الأثرية فأخذاها منه واقتاداه إلى دار الشرطة


في دار الشرطة

أيقظت العجوز أحد ولديها على أثر قرعات غريبة على الباب بعد منتصف الليل، وكانت المفاجأة أن فتح الشاب ليجد أمامه رجلين من الشرطة

لا تقلق، فقد أمسكنا رجلًا يقفز من سور حديقتكم ومعه بعض المسروقات، فأتينا نخبركم

أشكركما تفضلا

ضابط البوليس ينتظرنا، ويطلب رب البيت أن يحضر ليتعرف على المسروقات

حالًا أحضر معكما

سمعت الأم العجوز الحديث، فأدركت أن عادل هو المقصود. للحال أسرعت نحو حجرته لتجد الباب مفتوحًا، وإذ دخلت لم تجده. عندئذ خرجت وأصرَّت أن تذهب مع ابنها إلى دار الشرطة. وعبثًا حاول ابنها أن يثنيها عن عزمها

انطلق الشاب بعربته ومعه والدته العجوز ورجليّ الشرطة، وهناك إذ دخل الكل حجرة الضابط، سلَّمت الأم على عادل سلامًا حارًا، أما هو فقد نكس رأسه ولم يقدر أن يرفع عينيه ويتطلع إليها

تعجب الضابط من المنظر

أتعرفينه يا سيدتي؟

نعم! أعرفه جيدًا، إنه صديقنا الحميم

لقد وجدناه يقفز من سور حديقتكم

إنه صديقنا والبيت هو بيته

وجدنا معه قطعة أثرية ثمينة

أنا أعطيته إيَّاها لكي يعالج عيبًا فيها

ألا تتهميه بالسرقة

مستحيل

إذن، نتركه على مسئوليتكم

لا، بل سنأخذه معنا يبيت الليلة عندنا

لم يحتمل عادل هذه المحاورة فقد شعر كأنه وقد أفلت من يد الشرطة صار أسير حب فريد لم يذقه من قبل. وهنا تسلّلت الدموع من عينيه وهو جامد الحركة لا يعرف ماذا يقول ولا كيف يتصرف. عندئذ تقدم الشاب في محبة، وأمسك بيده، واقتاده إلى السيارة ليذهب معهما إلى الفيلا

عند باب السيارة ثقلت قدمي عادل جدًا وانهمرت دموعه بكثرة وهو يُقبل يدي الأم العجوز، قائلًا: سامحيني فقد أسأت لليد التي أحسنت إلىَّ

لا تقل هذا يا عادل، فإن اللَّه يغفر لنا كل يوم

أشكرك، لكنني لا أقدر أن أعيش أسير هذا الحب. إني لا أستحق حبكم، ولا أستطيع حتى أن أقف وسطكم

إن كنتَ قد حكمت علينا أننا نحبك فاسمح أن تقضي بقية الليلة معنا

لا أحتمل يا أمي، فإن نارًا تلتهب داخلي

لا تقل هكذا يا عادل، اسمح أن نعود جميعًا فرحين

تحت لجاجة الأم العجوز ركب عادل معهما حتى وصلا الفيلا. وهناك نزل من السيارة ليقف على الرصيف وعيناه قد تسمَّرتا متجهتين نحو المكان الذي قفز منه

ربتت الأم على كتف عادل ودخل الكل إلى الفيلا، حيث تسلّل عادل إلى حجرته ليقضي بقية الليلة يجهش في البكاء، وفي الصباح المبكر بعد أن صلى مع العائلة وأخذ إفطاره استأذنهم وخرج بلا عودة


مع الراهب دانيال

مرت السنوات وأصيبت الأم بمرض الفالج (الشلل) الذي أفقدها قدرتها على الحركة، فصارت حبيسة بيتها مع ابنيها الرجلين اللذين يبذلان كل الجهد في خدمة الكنيسة

كان الابنان يلتقيان كل مساء مع أمهما ليشترك الكل معًا في الصلاة العائلية، وبعد دراسة في الكتاب المقدس يسير الولدان بأمهما إلى إحدى الشرفات على عجلة خاصة بها، يقضون وقتا ليس بقليل يتحدثون في سير القديسين السابقين، وما يدور حول شخص الراهب دانيال. فقد فاحت سيرته المقدسة في كل أنحاء القطر، وتحول الدير إلى مزار يفد إليه الناس من كل صوب يلتمسون بركة القديس، الأمر الذي دفع بالراهب دانيال أن يترك الدير ويهرب إلى مغارة على بعد عدة أميال من الدير

في إحدى الليالي، قالت الأم لولديها: اذهبا إلى أبينا دانيال ليبارككما، واطلبا منه أن يصلي عني

ولماذا لا تأتي معنا يا أماه؟

أنت تعلم يا ابني إني عاجزة عن الحركة، ولا أريد أن أثقل عليكما. يكفيني أن تنالا أنتما البركة

لا... بل إن أردتِ فلتذهبي معنا ليصلي عنك فيهبكِ الرب الشفاء

أنا لا أطلب شفاءً للجسد، بل أشتاق أن أكمل أيامي في رضى الرب وأعبر سريعًا

لا تقولي هذا يا أمي، فنحن محتاجون إلى بركتك معنا

لقد أكملت رسالتي يا ابني... إني اشتهي أن انطلق وأكون مع السيد المسيح، ذاك أفضل جدًا

أصر الابنان أن يأخذا أمهما معهما، وقرر الكل أن تكون الرحلة في اليوم التالي. وبالفعل في الصباح المبكر جدًا سار الابنان بأمهما إلى السيارة، وحملاها إلى المقعد الخلفي لتستريح، وانطلق الكل نحو البرية إلى الدير

لم يكن من السهل أن ينزلا بأمهما من السيارة ويحملانها على العجلة ليدخلا بها إلى كنيسة الدير. في الطريق إلى الكنيسة قالت الأم في ألم: أرجو أن تتركاني في الدير هنا وتذهبان أنتما إلى المغارة، فإن السيارة لا تقدر أن تصل إلى المغارة، وأظن أن العجلة لا تقدر أن تسير في الرمال. يكفيني أن تذهبا وتطلبان منه أن يصلي عني. وأنا أنتظركما هنا حتى آخر اليوم

لا تخافي يا أمي، فإن اللَّه سيدبر الأمر، نحن قد أتينا من أجلك وسنسأل إن كان بالدير سيارة جيب تقدر أن تصل بنا إلى المغارة

لا تتعبان، ولا تحرجا أنفسكما مع الآباء الرهبان

لقد علمتينا أننا بالإيمان لا يوجد مستحيل

هنا بلغ الكل باب الكنيسة، حيث خلع الكل أحذيتهم ودخلوا في مخافة وهدوء إلى الهيكل حيث سجد الابنان إلى الأرض وصلّيا. أما الأم فقد انذرفت دموعها وهي تصلي بكلمات غير مسموعة. وبعد أن قبَّل الكل أجساد القديسين خرجوا يسألون عن الراهب دانيال

سأل أحد الابنين راهبًا: كيف يمكننا الذهاب إلى مغارة أبينا دانيال؟

هل تريدون أبانا دانيال؟

لو سمحت، فإننا مشتاقون أن ننال بركته؛ وأمي كما تراها مريضة بالفالج

على أي الأحوال، إن تدبير اللَّه حسن، فإن الأب دانيال حاليًا في الدير

أشار الراهب إلى الموضع الذي يجلس فيه أبونا دانيال، الذي تفرس فيهم كثيرًا وهم قادمين إليه. وإذ وصلوا إليه مع الراهب سألوا: أبانا دانيال؟

أجاب الراهب في هدوء: نعم أنا... أنت بولس؟

كيف عرفتني؟

وأنت بطرس؟

نعم... أتعرفني؟

هل هذه أمكما؟

نعم

وفي لحظات ضرب الراهب دانيال مطانية أمامهم ثم أخذ الابنين بالأحضان وصار يقبلهما، ثم تقدم إلى الأم وصار يقبل يديها وهو يبكي

وقف الكل في دهشة، بل وتجمع عدد ليس بقليل من الرهبان يرون هذا المنظر الغريب. أخذ الراهب يقول للأم العجوز: ألا تعرفيني؟! أنا ابنك عادل، الذي احتملتم ضعفه وأسرتموه بالحب حين سرق القطعة الأثرية... أنا عادل الذي كنت لصًا، وعلى أيديكم عرفت مسيحي! إني مدين لكم بكل حياتي في المسيح يسوع

ثم ركع الراهب دانيال بجوار العجلة وصلى في اتضاع وانسحاق بدموع غزيرة ورشم الأم بالزيت باسم اللَّه القدوس الآب والابن والروح القدس، فتحركت الأعضاء اليابسة، وقامت العجوز عن العجلة لتمسك بيديها الأب دانيال وهي تسبح اللَّه وتمجده

    

هذه القصة رواها لي قداسة القس أثناسيوس بطرس وطلب منى تسجيلها في أسلوب قصصي... وإن كنت قد قمت بتغيير بعض أحداثها


المراجع

كتاب قصص قصيرة (مع مجموعة من القصص الطويلة) - القمص تادرس يعقوب ملطي - القصة 185 في قبضة الحب

القصة المسيحية رقم 22 - في قبضة الحب - كنيسة مارجرجس باسبورتنج


Share

Saturday, October 6, 2012

نكران الذات



نكران الذات

عندما كان اللومبرديون يسيطرون على شمالي إيطاليا، وقع بين أيديهم أحد الشمامسة أسيراً، فقرر الأعداء ان ينزلوا به أشدّ العذابات.  فتوسط أحد المؤمنين لدى الأعداء، كي يخلوا سبيل الشماس الأسير.  لكن جهوده باءت بالفشل ولم تفلح. 

 كل ما استطاع عمله انه تمكن من إقناع الأعداء ان ينقلوا الشماس إلى مكان مريح. لكن الأعداء توعّدوا الرجل انه في حال هروب الأسير سيُلقى القبض على الكفيل ويسلّم للموت.
 
وهكذا كان. وفي إحدى الليالي العاصفة والممطرة، قام الكفيل تحت جنح الظلام، ومضى إلى غرفة الشماس وأيقظه، وطلب منه ان يهرب.  وكان قد أعدّ له حصاناً قوياً لرحلته.
 
فقال له الشماس الذي كان الحكم بالموت قد صدر بحقه: كيف أهرب وتموت أنت؟ كيف أقبل ان تموت أنت عنّي؟
 
وفي صبيحة اليوم التالي، تم إستدعاء الأسير لينبه حكم الموت.  فلما دخل الجلاد الغرفة، لم يجد فيها أحد. للحال أرسل من ألقى القبض على الكفيل، فسيق إلى الموت بدلاً من الشماس.
 
ولما مثل أمام الحاكم، قال له ذاك: أعرف أنك إنسان حسن الأخلاق وطيب.   ولكني أعرف أيضاً أنك شجاع حتى تقوم بمثل هذا العمل.  لذا أسألك، قل لي بأية طريقة تريد ان تموت؟
 
فقال الأسير وببرودة: إقتلني بالطريقة التي كان سيموت بها ذاك. للحال جاء القرار بالموت بقطع الرأس.  فوقف الجلاد بسيفه ينتظر الأمر للتنفيذ.
 
جثا الرجل على ركبتيه وراح يصلي إلى الله ان يقبل عمله، بينما راحت نفسه تتهلل، لأنها بعد لحظات ستكون بجوار السيد. أمر الحاكم الجلاد بحركة من يده ان يرفع سيفه لينزله على رأس الأسير.  ولما فعل، جمدت يداه في الهواء، ولم يستطع ان يتحرك.  فقد انتابه موجة من الآلام المبّرحة، فبدأ يصرخ كالكلب المسعور
 
فارتعد الحاضرون وقالوا: وماذا سنفعل الآن؟ يبدو ان الله إلى جانب هذا الرجل.  ثم بدأوا يتوسلون إلى السجين ان يفعل شيئاً.  فقال للجلاد: يا أخي أنزل يديك، فأنزلهما.  فعاد الوضع كما كان عليه قبل حين. للحال، حلّوا قيوده وأطلقوه. 

أما هو فرغب ان يعيش بينهم طوال حياته رسولاً للمسيح 



Share

Tuesday, October 2, 2012

النبي الهارب والشعب التائب


النبي الهارب والشعب التائب - للقديس كيرلس الكبير

لماذا أُرسِلَ يونان إلى شعب وثني

وصار قول الرب إلى يونان... قُمْ اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة ونادِ فيها، لأنه قد صعد صراخ شرِّهم إليَّ. يون 1: 1 - 2 سبعينية. وَصَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى يُونَانَ بْنِ أَمِتَّايَ قَائِلاً: قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ وَنَادِ عَلَيْهَا، لأَنَّهُ قَدْ صَعِدَ شَرُّهُمْ أَمَامِي. يونان 1: 1 - 2 ينبغي أن تُلاحظوا من خدمة ورسالة نبوَّة يونان مبدءاً هاماً بأسلوب الطوباوي بولس الذي قال: أَمِ اللهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ؟ أَلَيْسَ لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بَلَى، لِلأُمَمِ أَيْضًا لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ، هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالإِيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالإِيمَانِ. رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 3: 29 - 30. وإذ نتعلَّم ذلك بالاختبار فإنَّ الرسول بطرس أيضاً يُعلن ذلك بقوله: بِالْحَقِّ أَنَا أَجِدُ أَنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ الْوُجُوهَ. بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ، الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ. أعمال الرسل 10: 34 - 35. فإنَّ الله هو الذي خلق الإنسان في البدء على صورته ليكون مُكرَّساً للفضيلة، لكي يعيش حياة قداسة مُباركة جديرة بالثناء، ولكي يتمتَّع بنصيبٍ وافرٍ من عطايا الله

ولكن البشر ضلُّوا في الخطية، إذ أغوتهم خداعات الشيطان، وبالتالي فقد أصبحوا ملعونين وخاضعين للفساد. وكان المسيح قد دبَّر - إذ عَلِمَ بذلك قبل تأسيس العالم - أن يُصحِّح كل شيء. لقد سُرَّ الله الآب أن يَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ. رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس 1: 10

أَمَرَ الله يونان أن يذهب إلى نينوى التي كانت مدينة فارسية، وكانت كما قال إرميا النبي: أَرْضُ مَنْحُوتَاتٍ هِيَ. إرميا 50: 38. وكانت على حدود بلاد اليهود وقد استسلمت لعبادة الأصنام. فلماذا ترك الله المدن القريبة وأرسل يونان إلى تلك المدينة الوثنية التي كانت كما قال ناحوم النبي: الزَّانِيَةِ الْحَسَنَةِ الْجَمَالِ صَاحِبَةِ السِّحْرِ الْبَائِعَةِ أُمَمًا بِزِنَاهَا. ناحوم 3: 4! أرى أنَّ الله كان له قصد نافع في أن يُبرهن حتى للمتغرِّبين عنه أنه يمكنهم أن يُجتذَبوا، في الوقت المناسب، إلى معرفة الحق حتى ولو كانوا غارقين في عنادهم


قوة تأثير كلمة الله

وكما ترون، فإنَّ كلمة الله قادرة على حثِّ الناس أن يتعلَّموا ما يجعلهم حكماء. وكما قال الرب لإرميا النبي: هأَنَذَا جَاعِلٌ كَلاَمِي فِي فَمِكَ نَارًا، وَهذَا الشَّعْبَ حَطَبًا، فَتَأْكُلُهُمْ. إرميا 5: 14، وأيضاً: أَلَيْسَتْ هكَذَا كَلِمَتِي كَنَارٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَكَمِطْرَقَةٍ تُحَطِّمُ الصَّخْرَ؟ إرميا 23: 29. وهكذا فلم يكن بدون هدف أن يُرسَل يونان إلى أهل نينوى، بل إنَّ ذلك حدث لكي يكون كبشير لرأفة الله المتأصِّلة فيه، والتي يمكن أن تُمنَح حتى للشعب الذي ضلَّ بجهالته

وفي نفس الوقت، فقد كانت في هذا القول من فم إرميا النبي إدانة لشعب إسرائيل، لأنهم كانوا مُدانين بكونهم متمردين غير مستجيبين لناموس الله وغير مُبالين به. ومع ذلك فإنَّ أهل نينوى رجعوا فوراً إلى الشعور بالالتزام بالتوبة بإنذارٍ واحدٍ للنبي، رغم أنَّ هذا الشعب كان يعيش في خداع الوثنية؛ في حين أنَّ شعب إسرائيل استخفَّ بموسى والأنبياء، ثم قاوم المسيح مخلِّصنا، رغم أنه أيَّد تعاليمه بالمعجزات، حيث كان يجب أن يقتنعوا بسهولة أنه هو الله الذي صار إنساناً ليُخلِّص الجميع وهم قَبْل الجميع. ولذلك قال عنهم الرب: رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا! متى 12: 41. وما هو الأمر الأعظم في المسيح من يونان؟ ففي حين أنَّ الرب هدَّد أهل نينوى بأن تنقلب مدينتهم، فإنَّ الرب يسوع أدهش اليهود بعجائبه التي تفوق الوصف، والمعجزة التي ترافق الرسالة هي دائماً وسيلة لتوصيل الناس إلى الإيمان


لماذا هرب يونان؟ ولماذا إلى ترشيش؟

هرب يونان إلى ترشيش من وجه الرب. (وترشيش هي التي تُدعَى في أيام القديس كيرلس تارسي في كيليكية. كما يُرجِّح البعض أنها هي طرسوس موطن شاول الطرسوسي - بولس الرسول). ولكن لماذا هرب إلى ترشيش؟ ربما لأنه كانت لديه فكرة أنَّ قوة الله كانت قاصرة على أرض إسرائيل، ولذلك فقد غادر اليهودية إلى إحدى المدن اليونانية

ويمكننا أن نتعرَّف على نفور يونان من تلك الإرسالية وعدم تحمُّسه لها من خوفه من عدم تحقيق الله لإنذاره بمعاقبة أهل نينوى، وذلك من كلامه هو إذ قال: آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ. فَالآنَ يَا رَبُّ، خُذْ نَفْسِي مِنِّي، لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي. يونان 4: 2 - 3

ولكن الرب أرسل ريحاً شديدة على البحر حتى صارت السفينة في خطر، وارتعب الملاَّحون وصرخوا كل واحد إلى إلهه، وطرحوا الأمتعة في البحر لتخفَّ الحمولة عن السفينة. أمَّا يونان فقد نزل إلى جوف السفينة ونام نوماً ثقيلاً. فَجَاءَ إِلَيْهِ رَئِيسُ النُّوتِيَّةِ وَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ نَائِمًا؟ قُمِ اصْرُخْ إِلَى إِلهِكَ عَسَى أَنْ يَفْتَكِرَ الإِلهُ فِينَا فَلاَ نَهْلِكَ. يونان 1: 6. وإن كان يبدو أنه نام هكذا قبل هبوب العاصفة، إلاَّ أنَّ ذلك دلَّ على عدم مبالاته بإرساليته، وأنَّ اهتمامه انحصر في ذاته، ولكنه لم يتجاهل واجبه


اعتراف يونان بخطيئته

ولما ألقى الملاَّحون قرعتهم لمعرفة بسبب مَن هذه البلية... وقعت القرعة على يونان، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلُمَّ نُلْقِي قُرَعًا لِنَعْرِفَ بِسَبَبِ مَنْ هذِهِ الْبَلِيَّةُ. فَأَلْقَوا قُرَعًا، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونَانَ. يونان 1: 7. وكان ذلك جزءاً من خطة الله، إذ اكتشفوا الشخص الذي ظنَّ أنه يمكنه أن يهرب من حضرة الله. ولما سألوه عن أمره، اعترف أنه هاربٌ من وجه الرب. فسألوه عمَّا يفعلونه به ليسكن البحر الذي كان يزداد اضطراباً، فاعترف بخطيئته فَقَالَ لَهُمْ: خُذُونِي وَاطْرَحُونِي فِي الْبَحْرِ فَيَسْكُنَ الْبَحْرُ عَنْكُمْ، لأَنَّنِي عَالِمٌ أَنَّهُ بِسَبَبِي هذَا النَّوْءُ الْعَظِيمُ عَلَيْكُمْ. يونان 1: 12. ولكنهم جَذَفُوا لِيُرَجِّعُوا السَّفِينَةَ إِلَى الْبَرِّ. يونان 1: 13، لأنهم أرادوا أن ينقذوا خادم الله ويأتوا به سالماً إلى الشاطئ، ولكنهم لَمْ يَسْتَطِيعُوا، لأَنَّ الْبَحْرَ كَانَ يَزْدَادُ اضْطِرَابًا عَلَيْهِمْ. يونان 1: 13. ثم «صرخوا إلى الرب وقالوا: آهِ يَا رَبُّ، لاَ نَهْلِكْ مِنْ أَجْلِ نَفْسِ هذَا الرَّجُلِ، وَلاَ تَجْعَلْ عَلَيْنَا دَمًا بَرِيئًا، لأَنَّكَ يَا رَبُّ فَعَلْتَ كَمَا شِئْتَ. ثُمَّ أَخَذُوا يُونَانَ وَطَرَحُوهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَقَفَ الْبَحْرُ عَنْ هَيَجَانِهِ. يونان 1: 14 - 15

ولماذا سألوه عن موطنه الأصلي؟ لأنهم أرادوا، حسب رأيي، أن يعرفوا مَن هو الإله الذي أغضبه. فلما قال لهم إنه عبراني وإنه خائفٌ من إله السماء، تحقَّقوا من أنه هرب من وجه الله، لماذا؟ ذلك لأنَّ اليهود غير مسموح لهم أن يتركوا بلادهم المُخصَّصة لهم ويدخلوا مدناً وثنية... ولما هدأ البحر بمجرد أن طرحوا يونان فيه، يقول الكتاب: فَخَافَ الرِّجَالُ مِنَ الرَّبِّ خَوْفًا عَظِيمًا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَةً لِلرَّبِّ وَنَذَرُوا نُذُورًا. يونان 1: 16. وهكذا انتفعوا من هذا الحدث بكونهم آمنوا أنه يوجد في الكون إله واحد وقدَّموا له ذبيحتهم


كيف عاش يونان

في جوف الحوت ثلاثة أيام؟

وَأَمَّا الرَّبُّ فَأَعَدَّ حُوتًا عَظِيمًا لِيَبْتَلِعَ يُونَانَ. يونان 1: 17. ونحن لا ندَّعي أنَّ الله يأمر الحيوانات كما يفعل معنا أو مع الملائكة. فإذا قيل إنه يأمر الحيوانات أو العناصر، فهذا يُشير إلى مشيئته كقانون وأمر، فنحن نرى أنَّ كل شيء يخضع لإرادته. وبالتالي فإنَّ إرادته الصالحة التي جعلت الحوت يبتلع يونان لم تُسبِّب ضرراً للنبي، حيث إنه ظلَّ فِي جَوْفِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال. يونان 1: 17

هذه الحقيقة ربما بَدَت غير مُقنعة للبعض حتى أنهم لا يُصدِّقون أنه مكث حيّاً ثلاثة أيام في جوف الحوت، وكيف أن جسده لم يتحطَّم عند ابتلاعه؟ وكيف أمكنه أن يتحمل حرارة جسم الحوت ورطوبة أحشائه الشديدة؟ وكيف أنَّ الحوت لم يهضمه كبقية الأطعمة؟ ونجيب على ذلك بأنَّ القوة الإلهية يمكنها أن تُغيِّر طبيعة الكائنات الحية بسهولة إلى أيَّة حالة يختارها الله. ونحن نعلم أن الجنين في رَحِم أُمِّه يكون غاطساً في رطوبة طبيعية وكأنه مدفون في أحشاء أُمِّه، ولا يمكنه أن يتنفس، ولكنه يظل حيّاً ويتغذَّى بطريقة دبَّرها الله. إن تدابير الله لا يمكن أن يُدركها أحد بسهولة

وإذا اتخذنا يونان النبي كنموذج للخدمة التي تُدرَك في المسيح، فيمكن القول إنَّ العالم كله، منذ آدم، كان مُعرَّضاً للخطر، وإنَّ الجنس البشري كان متأثِّراً بعواصف وأمواج الخطية الهائجة، والمسرَّات الكئيبة التي لا تُطاق كانت تغمر البشر؛ إذ كان الجنس البشري مُهدَّداً بالفساد وتضربه رياح عنيفة، أي الشيطان وقُوَى الشر الخاضعة له والتي تعمل معه. فأشفق علينا الخالق وأرسل ابنه لكي يُهدِّئ العاصفة، وهكذا خلَّصنا بموت المسيح. وإذ هدأت العاصفة واستقرَّت الأمواج ساد السلام وتمتَّعنا بجوٍّ روحي صافٍ منذ أن تألَّم المسيح من أجلنا. وذلك كما أنَّ رُسل المسيح عندما صدمتهم الرياح العاتية والأمواج، أيقظوا الرب يسوع لكي ينقذهم؛ فقام وانتهر البحر وأنقذهم. وهكذا حدث مع الجنس البشري، فإننا بالمسيح قد تحرَّرنا من الموت والفساد والخطية والأهواء البشرية، وامتلأت حياتنا بالسلام


دَعَوْتُ مِنْ ضِيقِي الرَّبَّ، فَاسْتَجَابَنِي. يونان 2: 2

عاش يونان في جوف الحوت كمنزل له، ودون أن يشعر بأيِّ نوع من المؤثِّرات الرديئة على الجسد أو الذهن، شعر بمعونة إلهية إذ عَلِمَ أن الله خيِّر. ومن الناحية الأخرى، فإذ لم يكن على دراية بأن ما حدث كان نتيجةً لنفوره من خدمته؛ فقد اتجه إلى الصلاة ناطقاً بمشاعر الشكر معترفاً بمجد الله مخلِّصه. وقوله إنَّ الرب استجاب له فقد تحقَّق من ذلك مُسْبقاً، في رأيي، بروحٍ نبوية. وقوله: صَرَخْتُ مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ. يونان 2: 2 الذي كان يقصد به معدة الحوت، فقد قارَن هذا الوحش بالجحيم والموت، إذ عرف كيف يقتل ضحيته ويلتهمها بوحشية

طَرَحْتَنِي فِي الْعُمْقِ فِي قَلْبِ الْبِحَارِ، فَأَحَاطَ بِي نَهْرٌ. جَازَتْ فَوْقِي جَمِيعُ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ. فَقُلْتُ: قَدْ طُرِدْتُ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيْكَ. يونان 2: 3 - 4. إنه يُرجِع هذا الحدث إلى نعمةٍ من فوق، وينسب إلى الأحكام الإلهية إمكانية الإنقاذ بسهولة من كل ضيقة. ويقول إنه كان في عمق البحر وفي صخب المياه التي تجيش وتُغرقه كأمواج غامرة، وقد أدرك في تلك المحنة أنه كان يُعاني من الغضب الإلهي، وأنه قد صار يائساً من إنقاذه، وهذا شعورٌ مُرعب. ثم قال: هل حقّاً لن أعود وأنظر إلى هيكل قدسك؟ يون 2: 4 سبعينية... وَلكِنَّنِي أَعُودُ أَنْظُرُ إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ. يونان 2: 4. لقد كان على درايةٍ أنه قد حُفظ بقوة الله الذي أعانه على الحياة في جوف الوحش مما يفوق التصديق. وربما كان يشكُّ إن كان الوحش سيقذف به إلى ضوء النهار مرة أخرى. ومن الناحية الأخرى، فقد اعتبر أنَّ رجوعه إلى هيكل الله لكي يُمجِّد ذاك الذي أنقذه أمراً شهياً ويحتاج إلى صلاة لكي يحصل على تلك النعمة

قَدِ اكْتَنَفَتْنِي مِيَاهٌ إِلَى النَّفْسِ. أَحَاطَ بِي غَمْرٌ. الْتَفَّ عُشْبُ الْبَحْرِ (أو الحلفاء) بِرَأْسِي. نَزَلْتُ إِلَى أَسَافِلِ الْجِبَالِ (هبطت رأسي إلى شقوق الجبال - سبعينية). مَغَالِيقُ الأَرْضِ عَلَيَّ إِلَى الأَبَدِ (هبطتُ إلى عمق الأرض التي قضبانها هي المغاليق الأبدية - سبعينية). ثُمَّ أَصْعَدْتَ مِنَ الْوَهْدَةِ حَيَاتِي أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي (لكنك أيها الرب إلهي سترفع حياتي من الهاوية - حسب الترجمة العربية المشتركة؛ أو دَع حياتي المُحطَّمة تتجدَّد - سبعينية). يونان 2: 5 - 6

إذ شعر يونان أنَّ الرب أنقذه حتى الآن، فكان ينوي أن يُقدِّم له أروع أناشيد الشكر. وحسب رأيي، فإنَّ كلمة المغاليق أو القضبان تعني أنها غير قابلة للكسر فلا يتغلَّب عليها أحد. وكونه لم يَمُت ولم يتألم من أيِّ شيء يتعلَّق بالموت أو الفساد، فقد ترجَّى، بشعوره النبوي، أن يُنقذه الله بإخراجه من جوف الحوت كما من الهاوية. ثم قال: حِينَ أَعْيَتْ فِيَّ نَفْسِي ذَكَرْتُ الرَّبَّ، فَجَاءَتْ إِلَيْكَ صَلاَتِي إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ (أو لعل صلاتي تأتي إليك إلى هيكلك المقدس - سبعينية). يونان 2: 7

إنَّ الضيقات ليست بلا منفعة للذين يُجرَّبون بها، ولذلك قال بولس الرسول: الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْرًا، وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً، وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً، وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي. رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 5: 3 - 5. فلما تعرَّضت حياة يونان للخطر وبلغت ضيقته إلى أقصاها، التجأ إلى شيء نافع له وليس مثل الذين يُفسِحون المجال لليأس؛ بل ذَكَر ذاك الذي يُنقذ. فصرخ إليه عالياً، إذ كان على درايةٍ بقدرته

اَلَّذِينَ يُرَاعُونَ أَبَاطِيلَ كَاذِبَةً يَتْرُكُونَ نِعْمَتَهُمْ. أَمَّا أَنَا فَبِصَوْتِ الْحَمْدِ (والاعتراف) أَذْبَحُ لَكَ، وَأُوفِي بِمَا نَذَرْتُهُ. لِلرَّبِّ الْخَلاَصُ (أوفي بما نذرته لك أيها الرب خلاصي - سبعينية). يونان 2: 8 - 9. أي أنَّ الذين يُقدِّمون ولاءهم للآلهة الكاذبة ينبذون الرحمة التي كان ينبغي أن يطلبوها من الرب. أما أنا فأعلم أنك طيِّبٌ ورؤوف، ولذلك فإنني أعترف لك وأُقدِّم لك تسابيح مثل بخور عَطِر، أي ذبائح شُكر روحية. وأوفي لك نذور خلاصي بكل غيرة، أي تلك التي سبَّبت إنقاذي وكانت نافعة لحياتي. وهذا كان استجابةً للخدمة النبوية التي يريدها الله حيث زال كل نفور وجُبن. ولعل ذلك كان رمزاً للمسيح الذي في ضيقه قال للآب: يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ. متى 26: 39. وهنا نتذكَّر قول الرسول بطرس مُستشهِداً بما قاله داود النبي: لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا. أعمال الرسل 2: 27. وهكذا فإنَّ جسد يونان أيضاً لم يَرَ فساداً، وبعد ثلاثة أيام رجع إلى الحياة؛ تماماً كما أنه كان يستحيل أن يخضع الرب، الذي هو الحياة بطبيعته، لقيود الموت

وَأَمَرَ الرَّبُّ الْحُوتَ فَقَذَفَ يُونَانَ إِلَى الْبَرِّ. يونان 2: 10. وهكذا تلقَّى الحوت الأمر مرةً أخرى بقوة إلهية لا توصف لتنفيذ إرادة الله، فحرَّر من أحشائه النبي الذي انتفع من المحنة، أو بالحري تشجَّع بتلك الخبرة واكتسب معرفةً صافيةً بأنه من المخاطرة أن يُقاوِم الأحكام الإلهية



مناداة يونان في نينوى

ثم صار قول الرب إلى يونان ثانيةً قائلاً: قُمْ اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة وعِظْها بالرسالة التي أخبرتُك عنها من قبل. يون 3: 1 - 2 سبعينية. ثُمَّ صَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى يُونَانَ ثَانِيَةً قَائِلاً: قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ، وَنَادِ لَهَا الْمُنَادَاةَ الَّتِي أَنَا مُكَلِّمُكَ بِهَا. يونان 3: 1 - 2

انتهز الله فرصة حماس يونان وأَمَرَه أن يذهب إلى نينوى مرةً أخرى بنفس الرسالة. وقد شابه يونان المسيح الذي مكث في باطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، إذ ذهب إلى أعماق قلب البحر، وكأنه نزل إلى أسافل الجبال، وهبط إلى مغاليق الأرض التي أغلقت عليه قضبانها بإحكام

ولكن المسيح سَلَبَ الجحيم وبشَّر الأرواح الموجودة هناك، وفَتَحَ الأبواب الموصدة، وعاد إلى الحياة مرةً أخرى إذ تحررت حياته من الفساد، وظهر بحالته هذه لأولئك النسوة اللائي كُنَّ يبحثن عنه ثم للرسل

ثم إنَّ رسالة الرب وصلت أخيراً أيضاً إلى الأمميين بواسطة الرسل المباركين. ومع أنه كان قد قال للرسل: إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ. متى 10: 5 - 6؛ إلاَّ أنه جعلهم يبشِّرون أخيراً برسالته التي جاء من أجلها للجميع. وكانت وصايا إنجيله واحدة لكلٍّ من إسرائيل والأُمم الذين نحن منهم والذين دُعينا إلى القداسة بواسطة الإيمان

فَقَامَ يُونَانُ وَذَهَبَ إِلَى نِينَوَى بِحَسَبِ قَوْلِ الرَّبِّ. أَمَّا نِينَوَى فَكَانَتْ مَدِينَةً عَظِيمَةً للهِ مَسِيرَةَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. فَابْتَدَأَ يُونَانُ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَنَادَى وَقَالَ: بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْقَلِبُ نِينَوَى. يونان 3: 3 - 4 ونادَى وقال: بعد ثلاثة أيام تنقلب نينوى (يون 3: 3 ، 4 سبعينية). لقد مُنح النبي غيرةً لا تُقاوَم، وانطلق إلى مهمته بنشاط ودخل تلك المدينة الأجنبية لكي يوفي الأحكام الإلهية

ورغم أنها كانت مدينة كبيرة ممتدة حتى أنها تتطلَّب مسيرة ثلاثة أيام؛ ولكنه عَبَرَها في يوم واحد، بقوة إلهية طبعاً، وأعلن الرسالة الإلهية. لقد أثار دهشتهم إذ أنه رجل عبراني آتٍ من بلاد أجنبية غير معروفة لأحد هناك، وقد سار وسط المدينة وهو يصيح بصوتٍ عالٍ: بعد ثلاثة أيام تنقلب نينوى (يون 3: 3 ، 4 سبعينية). يونان 3: 3 - 4

وقد تكلَّم النبي ليس من ذاته بل من فم الرب. والأنبياء غالباً لا يذكرون كل ما قاله الله لهم ولا كل الكلام الذي قالوه هم لله. ونحن نستنتج ذلك من قوله لله: آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ. فَالآنَ يَا رَبُّ، خُذْ نَفْسِي مِنِّي، لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي. يونان 4: 2 - 3


استجابة أهل نينوى بالإيمان والتوبة

فَآمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللهِ وَنَادَوْا بِصَوْمٍ وَلَبِسُوا مُسُوحًا مِنْ كَبِيرِهِمْ إِلَى صَغِيرِهِمْ. يونان 3: 5. آمن هذا الشعب بالله، هذا الذي كان مُداناً بسبب كل خطاياه المتأصِّلة فيه وأصنامه التي بلا عدد، وممارساته الشعبية المُخجلة. ومع ذلك فقد آمنوا بالله من كبيرهم إلى صغيرهم، الشهير والحقير، الغَني والفقير، الجميع شعروا بنفس الغيرة في قبول كلام النبي، وقد استجابوا لدعوته بدون تردُّد لإصلاح أنفسهم، وخضعوا للإنذار الإلهي الذي دعاهم للتوبة رغم أنه جاء من أجنبي وحيد لا يعرفونه. في حين أنَّ إسرائيل بغبائه لم يُطِع الناموس وسخر من الوصايا الموسوية ولم يستوعب كلام الأنبياء؛ بل إنهم صاروا قاتلين للرب، ولم يؤمنوا بالمُخلِّص

وهذا هو ما قاله الله لحزقيال النبي: اذْهَبِ امْضِ إِلَى بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَكَلِّمْهُمْ بِكَلاَمِي. لأَنَّكَ غَيْرُ مُرْسَل إِلَى شَعْبٍ غَامِضِ اللُّغَةِ وَثَقِيلِ اللِّسَانِ، بَلْ إِلَى بَيْتِ إِسْرَائِيلَ. لاَ إِلَى شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ غَامِضَةِ اللُّغَةِ وَثَقِيلَةِ اللِّسَانِ لَسْتَ تَفْهَمُ كَلاَمَهُمْ. فَلَوْ أَرْسَلْتُكَ إِلَى هؤُلاَءِ لَسَمِعُوا لَكَ. لكِنَّ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَسْمَعَ لَكَ، لأَنَّهُمْ لاَ يَشَاؤُونَ أَنْ يَسْمَعُوا لِي. لأَنَّ كُلَّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ صِلاَبُ الْجِبَاهِ وَقُسَاةُ الْقُلُوبِ. حزقيال 3: 4 - 7

وَبَلَغَ الأَمْرُ مَلِكَ نِينَوَى، فَقَامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وَخَلَعَ رِدَاءَهُ عَنْهُ، وَتَغَطَّى بِمِسْحٍ وَجَلَسَ عَلَى الرَّمَادِ. وَنُودِيَ وَقِيلَ فِي نِينَوَى عَنْ أَمْرِ الْمَلِكِ وَعُظَمَائِهِ قَائِلاً: لاَ تَذُقِ النَّاسُ وَلاَ الْبَهَائِمُ وَلاَ الْبَقَرُ وَلاَ الْغَنَمُ شَيْئًا. لاَ تَرْعَ وَلاَ تَشْرَبْ مَاءً. وَلْيَتَغَطَّ بِمُسُوحٍ النَّاسُ وَالْبَهَائِمُ، وَيَصْرُخُوا إِلَى اللهِ بِشِدَّةٍ، وَيَرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ وَعَنِ الظُّلْمِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ، لَعَلَّ اللهَ يَعُودُ وَيَنْدَمُ وَيَرْجعُ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ فَلاَ نَهْلِكَ. يونان 3: 6 - 9. لقد أظهر مديحه لاستجابتهم بتفاصيل كاملة، وأُعجب جداً باستعدادهم للتوبة. وحتى ملكهم ترك عرشه ورداءه الملكي وتغطَّى بالمسوح رداء النوح. وإذ جلس على الرماد، أعطى مثالاً لغيره لكي يُمسِكوا عن الطعام ويُصلُّوا بلا انقطاع متوسِّلين إلى الله لأجل الرحمة

لقد كان أهل نينوى حكماء، إذ كرَّسوا أنفسهم للإقلاع عن الفساد بواسطة الصوم الذي هو العمل الأصيل الوحيد للتوبة. أمَّا شعب إسرائيل فلم يهتموا بذلك بل أنهم أحياناً كانوا يُقدِّمون صوماً يُعتبر دنساً كما قال إشعياء النبي: هَا إِنَّكُمْ فِي يَوْمِ صَوْمِكُمْ تُوجِدُونَ مَسَرَّةً، وَبِكُلِّ أَشْغَالِكُمْ تُسَخِّرُونَ. هَا إِنَّكُمْ لِلْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ تَصُومُونَ، وَلِتَضْرِبُوا بِلَكْمَةِ الشَّرِّ. لَسْتُمْ تَصُومُونَ كَمَا الْيَوْمَ لِتَسْمِيعِ صَوْتِكُمْ فِي الْعَلاَءِ. أَمِثْلُ هذَا يَكُونُ صَوْمٌ أَخْتَارُهُ؟ يَوْمًا يُذَلِّلُ الإِنْسَانُ فِيهِ نَفْسَهُ. إشعياء 58: 3 - 5

أما أهل نينوى، فقد آمنوا بالله وقدَّموا صوماً نقياً بلا لوم، إذ اعتقدوا أنه لَعَلَّ اللهَ يَعُودُ وَيَنْدَمُ وَيَرْجعُ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ. يونان 3: 9 بسبب صلاحه وطيبة قلبه. ومن الناحية الأخرى فهو يُعاقب الخطاة والذين يتورطون في القساوة بعناد، إذ يفرض غضبه كنوع من اللجام لكي يُعنِّفهم ويأتي بهم إلى الإذعان. أمَّا بخصوص صوم البهائم، فقد كان نوعاً من المغالاة، وليس من الضروري أن يكون قد حدث ذلك، ولكن الكتاب ذكر ذلك لكي يُوضِّح درجة توبتهم غير العادية! إنه ينسب المعاناة أيضاً للحيوانات


رجوع الله عن غضبه

فَلَمَّا رَأَى اللهُ أَعْمَالَهُمْ أَنَّهُمْ رَجَعُوا عَنْ طَرِيقِهِمِ الرَّدِيئَةِ، نَدِمَ اللهُ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ يَصْنَعَهُ بِهِمْ، فَلَمْ يَصْنَعْهُ. يونان 3: 10. هكذا يُسرع الرب في إظهار رحمته وخلاصه للتائبين. وهو يُريحهم في الحال من جرائمهم السابقة إذا كفُّوا عن خطاياهم، وهو يرفع غضبه ويُبدِّله بمعاملة طيِّبة. وهو ما قاله الرب لحزقيال النبي: لِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ لأَنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ مَنْ يَمُوتُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فَارْجِعُوا وَاحْيَوْا. حزقيال 18: 31 - 32

فَغَمَّ ذلِكَ يُونَانَ غَمًّا شَدِيدًا، فَاغْتَاظَ. وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ. فَالآنَ يَا رَبُّ، خُذْ نَفْسِي مِنِّي، لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي. يونان 4: 1 - 3

فطالما أنَّ الله رؤوف على الذين يتفادون غضبه بالتوبة، وحتى لو مضى الوقت على إتمام ما كان مُقدَّراً لهم، وما تنبَّأ به عليهم النبي كان قد جاء وقت حدوثه؛ ومع ذلك فإنه لم يحدث، لذلك شعر يونان بغمٍّ شديد، وذلك ليس لأن انقلاب المدينة لم يحدث، ولكن لأنهم أخذوا عنه انطباعاً بأنه كاذبٌ مهذار. لقد أراد أن يتجنَّب ذلك فأقرَّ بأنه هرب إلى ترشيش، حتى لا يكون موقفه مهزوزاً لأنه اعترض على الله الذي يعلم كل شيء ويمكنه أن يُغيِّر فكر الإنسان، فهو شافي الأرواح الـذي يمكنه أن يُهدِّئ ضـراوة شهواتـنا بالمصاعب أحياناً وبأعمال رحمته أحياناً أخرى


اكتئاب يونان وتشجيع الله له

فَقَالَ الرَّبُّ: هَلِ اغْتَظْتَ بِالصَّوَابِ (أو بالحقِّ)؟. وَخَرَجَ يُونَانُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَجَلَسَ شَرْقِيَّ الْمَدِينَةِ، وَصَنَعَ لِنَفْسِهِ هُنَاكَ مَظَلَّةً وَجَلَسَ تَحْتَهَا فِي الظِّلِّ، حَتَّى يَرَى مَاذَا يَحْدُثُ فِي الْمَدِينَةِ؟. يونان 4: 4 - 5. فلكي لا يجعل الله النبي فريسةً للاكتئاب، زوَّده بالحيوية في ضعفه، مؤنِّباً إيَّاه برقَّةٍ على هذا الاكتئاب وعلى فشله في إدراك الغرض من الأحكام الإلهية، إذ مـرت الأيام ولم يُنفِّذ الله تهديده لهم

لقد اعتقد أن الكارثة تأجَّلت بسبب أنهم قرَّروا أن يتوبوا، ولكن الغضب الإلهي سوف تظهر نتائجه إنْ لم يصنعوا أعمالاً تليق بالتوبة وتتناسب مع خطاياهم. ولذلك ترك النبي المدينة لكي ينتظر ما سيحدث لهم، وتوقَّع أن المدينة ربما تحترق مثل سدوم، ولكن خيمته في الواقع هي التي تحطَّمت

فَأَعَدَّ الرَّبُّ الإِلهُ يَقْطِينَةً (شجرة خروع) فَارْتَفَعَتْ فَوْقَ يُونَانَ لِتَكُونَ ظِلاُ عَلَى رَأْسِهِ، لِكَيْ يُخَلِّصَهُ مِنْ غَمِّهِ. فَفَرِحَ يُونَانُ مِنْ أَجْلِ الْيَقْطِينَةِ فَرَحًا عَظِيمًا. يونان 4: 6. هكذا أعدَّ الرب اليقطينة لفائدة النبي، كما أعدَّ الحوت لكي يبتلعه. فكبرت اليقطينة سريعاً، ليس فقط لتُظلِّله من الحرِّ، بل الأهم هو لِكَيْ يُخَلِّصَهُ مِنْ غَمِّهِ. يونان 4: 6 فشعر يونان بالسعادة والميل إلى الاحتفاظ ببساطة الذهـن مثل الأطفال الذيـن تشغلهم الأشياء المُفرحـة عمَّا يُحزنهم

ثُمَّ أَعَدَّ اللهُ دُودَةً عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ في الْغَدِ، فَضَرَبَتِ الْيَقْطِينَةَ فَيَبِسَتْ. وَحَدَثَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَنَّ اللهَ أَعَدَّ رِيحًا شَرْقِيَّةً حَارَّةً، فَضَرَبَتِ الشَّمْسُ عَلَى رَأْسِ يُونَانَ فَذَبُلَ. فَطَلَبَ لِنَفْسِهِ الْمَوْتَ، وَقَالَ: مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي. يونان 4: 7 - 8

والمقصود من الدودة عند الفجر هو الجراد لأنه يتخذ وجوده من ندى الصباح. وضَرَبَ الجراد اليقطينة بقسوة، فلما يبست وهبَّت الريح الحارة حُرِمَ النبي من الظل فتفاقم سُخطه حتى اشتهى الموت


الله يوضِّح الهدف من القصة كلها

فَقَالَ اللهُ لِيُونَانَ: هَلِ اغْتَظْتَ بِالصَّوَابِ (أو بالحقِّ) مِنْ أَجْلِ الْيَقْطِينَةِ؟ فَقَالَ: اغْتَظْتُ بِالصَّوَابِ حَتَّى الْمَوْتِ. يونان 4: 9. لاحِظ مرةً أخرى إله الجميع في معاملته الرقيقة وحبه للنفوس البريئة، وأنه لا يُقصِّر بأيِّ حال عن إبداء عاطفة الأُبوَّة. فلم يَعُد يونان يلوم رِقَّة الحب الإلهي عندما قرَّر أن يُشفق على أهل نينوى؛ بل اعترف بغيظه مِمَّا جعل الله يشرح له سبب تدبيره لتلك القصة كلها

فَقَالَ الرَّبُّ: أَنْتَ شَفِقْتَ عَلَى الْيَقْطِينَةِ الَّتِي لَمْ تَتْعَبْ فِيهَا وَلاَ رَبَّيْتَهَا، الَّتِي بِنْتَ لَيْلَةٍ كَانَتْ وَبِنْتَ لَيْلَةٍ هَلَكَتْ. أَفَلاَ أَشْفَقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رِبْوَةً مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ يَمِينَهُمْ مِنْ شِمَالِهِمْ، وَبَهَائِمُ كَثِيرَةٌ؟. يونان 4: 10 - 11

كيف يمكننا أن نفتح أفواهنا لنُقدِّم تسابيح الشكر لذاك المملوء بالرأفة والصلاح؟ إنَّ الرب يُبعد عنا معاصينا، فهو مثل أب يُبدي الرأفة على أبنائه، هكذا هو يتراءف على الذين يخافونه لأنه يعرف جبلتنا (انظر مز 103: 12 - 14). كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا. كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ. لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ. المزامير 103: 12 - 14

لاحِظ كيف يُظهِر الرب اكتئاب يونان في وقت غير مناسب رغم كونه ملتزماً أن يمدح الرب على صلاحه كنبي قديس. فإذا كان هو قد بلغ إلى اكتئابٍ فائق الحدِّ بسبب ذبول اليقطينة، أفلا يُشفق الرب على كل هذا الشعب الذي لا يعرف يمينه من شماله؟ كما أنه يُشير إلى شفقته على البهائم، لأنه إن كان الصِّدِّيق يُشفق على نفس بهيمته (أم 12: 10 سبعينية).. الصِّدِّيقُ يُرَاعِي نَفْسَ بَهِيمَتِهِ، أَمَّا مَرَاحِمُ الأَشْرَارِ فَقَاسِيَةٌ. الأمثال 12: 10، وهذا يُضاف إلى فضله، فلا غرابة أن يُشفق الرب على البهائم أيضاً

وهذه هي الطريقة التي خلَّص بها المسيح كل أحد، إذ بذل نفسه لأجل الصغير والكبير، الحكيم والجاهل، الغني والفقير، اليهودي واليوناني، والذي قيل عنه: النَّاسَ وَالْبَهَائِمَ تُخَلِّصُ يَا رَبُّ. مَا أَكْرَمَ رَحْمَتَكَ يَا اَللهُ! فَبَنُو الْبَشَرِ فِي ظِلِّ جَنَاحَيْكَ يَحْتَمُونَ. المزمور 36: 6 - 7، الذي له المجد والقوة مع الآب والروح القدس الصالح والمُحيي إلى الأبد، آمين


مجلة مرقس – رسالة الفكر المسيحي للشباب والخُدَّام – يصدرها دير القديس أنبا مقار – ببرية شيهيت – السنة 56 – العدد 531 – فبراير 2012م – طوبة / أمشير 1728ش
مجلة مرقس – رسالة الفكر المسيحي للشباب والخُدَّام – يصدرها دير القديس أنبا مقار – ببرية شيهيت – السنة 56 – العدد 532 – مارس 2012م – أمشير / برمهات 1728ش


http://www.stmacariusmonastery.org/
http://www.stmacariusmonastery.org/st_mark/sm021204.htm
http://www.stmacariusmonastery.org/st_mark/sm031204.htm

 

Share

Monday, October 1, 2012

صلاة


آثامي علت رأسي كحمل ثقيل لا أستطيع حمله... إطرحها ياربي عني وإجعلني مثل العشار تائباً... فانك بدون أعمال بارة منه دعوته لرحمتك... صيرني كتلك الزانية مشابهاً، فقد غفرت لها مجاناً... بنعمتك اجعلني مثل اللص مماثلاً... فانك بدون أعمال صالحة منه اسكنته الفردوس

إذكرني يارب إذ جئت في ملكوتك كأب شفوق دعوتني إبناً... أنا المفرط وكصديق ودود قبلت الأتعاب من أجل الخاطئ الشرير، فأزل يا قدوس يا متحنن سيئاتي بمراحمك آمين


فلنشكر صانع الخيرات الرحوم الله، أبا ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح. لأنه سترنا وأعاننا، وحفظنا، وقبلنا اليه، وأشفق علينا، وعضدنا، وأتى بنا  إلى هذه الساعة. هو أيضًا فلنسأله أن يحفظنا فى هذا اليوم المقدس وكل أيام  حياتنا بكل سلام، الضابط الكل الرب إلهنا


أبانا الذي في السماوات. ليتقدس اسمك. ليأت ملكوتك
لتكن مشيئتك. كما في السماء كذلك على الأرض
خبزنا الذي للغد أعطنا اليوم
وأغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا
ولا تدخلنا في تجربة. لكن نجنا من الشرير
بالمسيح يسوع ربنا لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد. آمين


Share

Facebook Comments

There was an error in this gadget

Daily Bible Verse

Online Chapel - Orthodox Christian Daily Readings

I Read

There was an error in this gadget
Word of the Day

Quote of the Day

Article of the Day

This Day in History

Today's Birthday

In the News